سيد قطب
2180
في ظلال القرآن
وإنما أرسل اللّه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ليستنقذهم ، وليبين لهم الحق من الباطل ، ويفصل فيما وقع بينهم من خلاف في عقائدهم وكتبهم ؛ وليكون هدى ورحمة لمن يؤمنون . « تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . . فوظيفة الكتاب الأخير والرسالة الأخيرة هي الفصل فيما شجر من خلاف بين أصحاب الكتب السابقة وطوائفهم . إذ الأصل هو التوحيد ، وكل ما طرأ على التوحيد من شبهات وكل ما شابه من شرك في صورة من الصور ، ومن تشبيه وتمثيل . . كله باطل جاء القرآن الكريم ليجلوه وينفيه . وليكون هدى ورحمة لمن استعدت قلوبهم للإيمان وتفتحت لتلقيه . وعند هذا الحد يأخذ السياق في استعراض آيات الألوهية الواحدة فيما خلق اللّه في الكون ، وفيما أودع الإنسان من صفات واستعدادات ، وفيما وهبه من نعم وآلاء ، مما لا يقدر عليه أحد إلا اللّه . وقد ذكر في الآية السابقة إنزال الكتاب - وهو خير ما أنزل اللّه للناس وفيه حياة الروح - فهو يتبعه بإنزال الماء من السماء ، وفيه حياة الأجسام : « وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ » . . والماء حياة كل حي . والنص يجعله حياة للأرض كلها على وجه الشمول لكل ما عليها ومن عليها . والذي يحول الموت إلى حياة هو الذي يستحق أن يكون إلها : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ » فيتدبرون ما يسمعون . فهذه القضية . قضية آيات الألوهية ودلائلها من الحياة بعد الموت ذكرها القرآن كثيرا ووجه الأنظار إليها كثيرا ، ففيها آية لمن يسمع ويعقل ويتدبر ما يقال . وعبرة أخرى في الأنعام تشير إلى عجيب صنع الخالق ، وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب : « وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ - مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ - لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ، فهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام مم هو ؟ إنه مستخلص من بين فرث ودم . والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم ، وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم . هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم ، فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع اللّه العجيب ، الذي لا يدري أحد كيف يكون . وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم ، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم ، عملية عجيبة فائقة العجب ، وهي تتم في الجسم في كل ثانية ، كما تتم عمليات الاحتراق . وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد . . ولا يملك إنسان سوي الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني ، الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشر ، ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى . ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل ، وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجب لا ينقضي التأمل فيه . وقد بقي هذا كله سرا إلى عهد قريب . وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من